في لبنان، تزايدت النقاشات حول بيع أو تأجير جزء من احتياطي الذهب الكبير لدى مصرف لبنان، بعد الارتفاع الكبير في أسعار الذهب، كحل للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية.
أزمة ممتدة وثقة مفقودة
بدأت الأزمة المالية عندما نقصت العملات الأجنبية بشكل حاد، مما أدى إلى انهيار النظام المصرفي وفرض قيود على سحب الودائع، بالإضافة إلى تخلف الدولة عن سداد ديونها. خلال هذه الفترة، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها.
قبل الانفجار المالي، اعتمدت السياسات النقدية على جذب ودائع بالدولار بفوائد مرتفعة للحفاظ على سعر الصرف، وهو ما اعتبره البنك الدولي نظامًا ماليًا هشًا. ومع تقدير خسائر المودعين بنحو 70 مليار دولار، لا تزال الخلافات قائمة حول كيفية توزيع هذه الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين.
احتياطي ضخم بقيمة متضخمة
يمتلك مصرف لبنان أكثر من 280 طنًا من الذهب، مما يجعله من بين الأكبر في المنطقة نسبةً إلى حجم الاقتصاد. وقد تضاعفت قيمة الاحتياطيات عدة مرات منذ بداية الأزمة، بسبب الارتفاع العالمي في أسعار الذهب التي اقتربت من 5 آلاف دولار للأوقية.
وبحسب تقديرات حديثة، بلغت القيمة الإجمالية لاحتياطي الذهب اللبناني نحو 45 مليار دولار مطلع عام 2026، وهو ما يوازي أكثر من نصف الفجوة المالية في القطاع المصرفي، مما أعاد طرحه كخيار في أي خطة لإعادة الهيكلة.
قيود قانونية وحسابات سياسية
يحظر القانون اللبناني بيع الذهب أو رهنه دون تشريع خاص من البرلمان، مما يجعل أي خطوة في هذا الاتجاه تحتاج إلى توافق سياسي واسع. وفي نفس الوقت، يناقش البرلمان مشروع “قانون الفجوة المالية” الذي يحدد كيفية معالجة أموال المودعين، ويُعتبر شرطًا أساسيًا للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
ورغم أن المسودة الحالية لا تتضمن استخدام الذهب، يرى بعض الخبراء أن تنفيذ أي خطة إنقاذ بدون الاستعانة بجزء من الاحتياطي قد يكون صعبًا بسبب نقص السيولة المتاحة لدى المصرف المركزي.
انقسام حاد حول المخاطر والعوائد
يعتبر المؤيدون أن استخدام جزء محدود من الذهب قد يوفر دفعة مالية تساعد على تسوية جزء من حقوق المودعين وتخفيف حدة الأزمة، بينما يحذر المعارضون من أن هذه الخطوة قد تتحول إلى إنقاذ غير مباشر للمصارف وكبار المودعين، عبر تحميل الدولة والمجتمع تكلفة الخسائر المتراكمة.
ويخشى اقتصاديون من أن الاعتماد على الذهب كحل سريع قد يؤجل الإصلاحات الهيكلية الضرورية، خصوصًا إعادة رسملة المصارف وتحميلها نصيبها من الخسائر، مما يكرّس نمطًا من ترحيل الأزمة بدلاً من معالجتها جذريًا.
بين خيارين أحلاهما مر
حتى الآن، لا يزال خيار بيع الذهب في إطار النقاش النظري، مع تردد معظم القوى السياسية في تبنيه علنًا خوفًا من ردود الفعل الشعبية. يبقى لبنان أمام خيارين صعبين: إما المضي في إصلاحات مؤلمة تعيد توزيع الخسائر داخل النظام المالي، أو اللجوء إلى احتياطي الذهب كحل سريع يحمل تبعات سياسية واقتصادية طويلة الأمد


التعليقات