رئيس تحرير مجلة «السياسية الدولية» أحمد ناجي قمحة شدد على أن الدولة ليست شركة قابضة، وأن قناة السويس لا يجوز إدخالها في منطق «الأصل المالي القابل للمقايضة» لسداد الدين، رافضًا تحويل تسويات مالية محددة إلى سياسة عامة.
جاء ذلك عقب ردّ قمحة على مقترح رجل الأعمال والمصرفي حسن هيكل، الذي طرح ما سماه «المقايضة الكبرى»، ويقوم -بحسب الطرح- على توسيع نموذج تسوية المديونية بالديون ليشمل ملكيات الدولة في الشركات العامة، وصولًا إلى قناة السويس.
تسوية تاريخية لا تعني سياسة عامة
وأوضح قمحة أن الفكرة تستند إلى تجربة سابقة لتسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي، تضمنت نقل ملكية 44 أصلًا غير مستغل بقيمة 18.06 مليار جنيه مع إعفاءات مرتبطة بفوائد وغرامات تأخير، ثم انتقلت -في رؤية هيكل- إلى سؤال أوسع حول إمكانية تطبيق النموذج على مستوى الدولة.
لكن قمحة اعتبر أن المشكلة تبدأ عند التعامل مع اختلاف طبيعة الأصول؛ فـ«الأصل غير المستغل» يمكن -وفق الضوابط القانونية- إعادة هيكلته أو استثماره أو نقل ملكيته بين مؤسسات الدولة إذا اقتضت المصلحة العامة، بينما قناة السويس مرفق استراتيجي يرتبط بالأمن القومي والاقتصاد والموقع الجيوسياسي لمصر.
الدستور يضع لقناة السويس وضعًا خاصًا
واستند قمحة إلى أن الدستور المصري يضع لقناة السويس وضعًا خاصًا، إذ ينص في المادة 43 على التزام الدولة بحمايتها وتنميتها والحفاظ عليها باعتبارها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها. كما أشار إلى أن النقاشات السابقة بشأن صندوق قناة السويس أكدت طبيعتها كمال عام لا يجوز التعامل معه باعتباره أصلًا عاديًا قابلًا للتصرف.
ورغم أن قمحة أكد أن المقترح لا يختزل الفكرة حرفيًا في «بيع القناة»، فإن السؤال الأهم -في رأيه- هو لماذا تدخل قناة السويس أصلًا في معادلة مقايضة الدين، لأن القيمة الحقيقية للقناة لا تختزل في الإيرادات أو القيمة الدفترية، بل تمثل مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي وركيزة للاقتصاد والقوة الجيوسياسية للدولة.
بيان مجلس الوزراء يفصل بين التشابكات وخفض الدين
ولفت قمحة إلى أهمية بيان مجلس الوزراء الذي صدر ردًا على ما أثير حول مقترحات مقايضة بعض أصول الدولة بالمديونية المحلية، مؤكدًا أن البيان -بحسب قراءته- لم ينكر وجود تسويات مالية بين جهات تابعة للدولة، لكنه شدد على عدم تحويل حالة محددة (تسوية الهيئة الوطنية للإعلام) إلى نموذج عام لإدارة الدين العام.
- البيان اعتبر أن الفكرة سبق دراستها داخل أجهزة الدولة وانتهت الدراسة إلى عدم ملاءمتها كسياسة عامة.
- التسوية بين وحدات حكومية لا تعني تلقائيًا اختفاء الدين على مستوى الدولة ككل؛ إذ قد تتغير مراكز الأصول والخصوم بين الوحدات دون زوال الدين العام.
- ذكر البيان قناة السويس صراحة لتضييق مساحة التأويلات حول أي مقترح من هذا النوع.
مناقشة اقتصادية بدل الشحن السياسي
واعتبر قمحة أن إدارة الاقتصاد تحتاج النقد والفهم معًا، وأن الخلاف الاقتصادي يجب ألا يتحول إلى شحن أو اقتطاع جمل من سياقها لبناء رواية كاملة عن بيع أصول الدولة أو التفريط في السيادة. ورأى أن العنوان الأدق للنقاش ليس «هل ستبيع الدولة قناة السويس؟»، بل: هل ينبغي أن تدخل الأصول الاستراتيجية للدولة دائرة التفكير المالي القابل للمقايضة؟
وختم قائلًا إن اعتراضه ليس رفضًا لمعالجة الدين أو للابتكار المالي، بل اعتراض على تسطيح الفارق بين الأصل الاقتصادي والأصل السيادي، مشددًا أن مصر دولة ولها أصول ذات قيمة اقتصادية وأخرى استراتيجية وسيادية وأخرى تجمع بين القيمتين، وأن الذكاء الحقيقي في إدارة الاقتصاد الوطني يتمثل في معرفة ما يمكن استثماره أو إعادة هيكلته وما يجب ألا يخضع للحسابات المالية قصيرة الأجل.


