أكد الدكتور هشام عزمي، رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، أن حماية الذاكرة الوطنية لم تعد تقتصر على حفظ الوثائق والمخطوطات والمقتنيات، بل أصبحت مرتبطة بإدارة حقوقها وحمايتها وإتاحتها بصورة مسؤولة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

جاء ذلك خلال الكلمة الرئيسية التي ألقاها في المؤتمر السنوي السادس والعشرين للجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات والأرشيف، بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية، والذي انعقد تحت عنوان “المكتبات والمتاحف والأرشيفات في خدمة ذاكرة الوطن والعالم” يومي 19 و20 أغسطس الجاري، بحضور الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور أحمد أمان، نائب رئيس الجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات والأرشيف، إلى جانب نخبة من المتخصصين في مجالات المكتبات والمعلومات والأرشيف.

هشام عزمي: الذاكرة الوطنية تصنع ذاكرة المستقبل

أوضح رئيس الجهاز خلال كلمته التي حملت عنوان “مستقبل الذاكرة الوطنية من منظور الملكية الفكرية” أن المكتبات والمتاحف والأرشيفات لا تمثل مجرد مستودعات لحفظ الكتب أو الوثائق أو المقتنيات، بل تؤدي دورًا حضاريًا مهمًا في حفظ ذاكرة المجتمع وتوثيق تطوره وصون نتاجه الفكري والثقافي.

وأشار إلى أن المجتمع لا يحفظ ذاكرة الماضي فقط، بل يصنع من خلال ما ينتجه ويوثقه اليوم ذاكرة المستقبل.

وأوضح أن الذاكرة الوطنية بمفهومها الواسع تشمل ما يختاره المجتمع من معارف وثقافة وفنون وإبداعات وأحداث ووثائق وشهادات ومقتنيات ورموز وتجارب يرى أنها جديرة بالحفظ والنقل إلى الأجيال القادمة.

كما أشار إلى أن التحول الرقمي غيّر طبيعة إنتاج الذاكرة الوطنية، بعدما أصبح الهاتف المحمول قادرًا خلال لحظات على إنتاج الصور والفيديوهات والتسجيلات والنصوص وإتاحتها لملايين الأشخاص.

وأكد ضرورة ضمان أن تكون ذاكرة المستقبل موثقة وأصيلة وقابلة للحفظ والإتاحة مع احترام الحقوق المرتبطة بها.

وشدد على أن امتلاك المؤسسة للنسخة المادية من كتاب أو لوحة أو وثيقة لا يعني بالضرورة امتلاكها لحقوق الملكية الفكرية المرتبطة بها، مؤكدًا أن إدارة الحقوق أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة الذاكرة نفسها.

وتناول رئيس الجهاز دور مختلف فروع الملكية الفكرية في حماية الذاكرة الوطنية بدءًا من حق المؤلف والحقوق المجاورة، موضحًا أن العلامات التجارية يمكن أن تسهم في حماية هوية المؤسسات الثقافية وقيمتها.

كما أشار إلى أن التصميمات والمؤشرات الجغرافية والمعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي تفتح مجالات جديدة لربط التراث بالإبداع المعاصر وتحويل عناصر الهوية الثقافية إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة.

وسلط الدكتور هشام عزمي الضوء على التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي أمام الملكية الفكرية، خاصة فيما يتعلق بتحديد الملكية والأصالة واستخدام المصنفات والبيانات في تدريب النماذج وحقوق المخرجات والاستنساخ والتقليد والتغيرات التي طرأت على مفهوم الإبداع.

وحذر من أن التحدي لا يقتصر على الجانب القانوني وإنما يمتد إلى الهوية الثقافية، موضحًا أن الثقافة التي لا تحظى بتمثيل كافٍ ودقيق في البيانات الرقمية قد تكون عرضة للتهميش أو التشويه في بيئة الذكاء الاصطناعي.

وأكد أن حماية الذاكرة الوطنية في العصر الرقمي تعني أيضًا ضمان حضور الثقافة واللغة والخصوصية الحضارية المصرية في البيانات التي تشكل “ذاكرة الآلة”.

واستعرض الدكتور هشام عزمي مسار تطور المنظومة المصرية بدءًا من النص الدستوري الذي أكد حماية حقوق الملكية الفكرية مرورًا بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية عام 2022 ثم صدور القانون رقم 163 لسنة 2023 بإنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية وصولاً إلى بدء الجهاز ممارسة اختصاصاته.

وأوضح أن منظومة الملكية الفكرية تحتاج إلى مؤسسة قادرة على تنفيذ السياسة الوطنية وتنسيق الجهود ورفع الوعي وتعزيز الإنفاذ وبناء الشراكات ومواكبة التحولات التكنولوجية.

وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية لا تنظر إليها باعتبارها مجرد حماية قانونية وإنما كأداة لتحقيق قيمة ثقافية واقتصادية واجتماعية ودعم أهداف التنمية المستدامة.

وتتمثل الأهداف الأربعة للاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية في حوكمة البنية المؤسسية وتهيئة البيئة التشريعية وتفعيل المردود الاقتصادي للملكية الفكرية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بالإضافة إلى نشر الوعي بالملكية الفكرية بين فئات المجتمع المصري.

وأكد على أن “الذاكرة الوطنية ليست مخزنًا للماضي؛ إنها مورد للمستقبل” مشددًا على أن حماية الماضي لا تعني فقط حفظه وإنما أيضًا توثيقه وحماية الحقوق المرتبطة به وضمان أصالته وإتاحة استخدامه المشروع وتحويله إلى مصدر للمعرفة والإبداع والتنمية.

كما أكد أن مستقبل الذاكرة الوطنية يتطلب شراكة مؤسسية وثيقة بين مؤسسات الذاكرة ومؤسسات الملكية الفكرية والمجتمع الإبداعي والباحثين والمطورين والقطاع الخاص بما يضمن نقل ذاكرة صحيحة وأصيلة ومتنوعة ومحترمة الحقوق للأجيال القادمة ولمنظومات الذكاء الاصطناعي مع القدرة على إنتاج قيمة جديدة للمجتمع.