أكد الشيخ موسى سندايغايا، مفتي رواندا ورئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في رواندا، أن مواجهة التحديات الأسرية المعاصرة تتطلب نقل العمل الإفتائي من معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى الوقاية والاستشراف والإرشاد المبكر.
جاء ذلك خلال كلمته في جلسة الوفود الرسمية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء في القاهرة، الذي يعقد على مدار يومين خلال الفترة من 2 إلى 3 سبتمبر 2026.
الأسرة مستقبل الإنسان.. والفتوى ليست حكمًا مجردًا
قال سندايغايا إن الفتوى الناجحة لا تقتصر على بيان الحكم الشرعي، بل تساعد الإنسان على فهمه وتطبيقه بصورة صحيحة بما يحقق مقصده، مشددًا على ضرورة فهم الواقع ومآلات القرارات على الزوجين والأبناء والمجتمع.
وربط المفتي الحديث عن الأسرة بمستقبل الإنسان والمجتمع والأمة، باعتبارها البيئة الأولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان وشخصيته، وأن الإسلام أقام الأسرة على السكينة والمودة والرحمة، ورأى الزواج ميثاقًا غليظًا ومسؤولية ورسالة لا مجرد علاقة قانونية.
- قوة الأسرة لا تُقاس بغياب الطلاق فقط، بل بما يسود داخلها من سكينة واحترام وحوار وتربية صالحة وحفظ للكرامة والحقوق.
- صيانة الأسرة مقصد شرعي وضرورة اجتماعية وحضارية.
الطفل بين الأسرة والمدرسة والفضاء الرقمي
وتوقف مفتي رواندا عند التحولات الرقمية، موضحًا أن الأبناء باتوا يتلقون الأفكار والقيم من مصادر متعددة، ولم تعد الأسرة المصدر الوحيد لتشكيل شخصيتهم.
وأشار إلى أن الطفل المعاصر يعيش في ثلاثة فضاءات متداخلة: الأسرة والمدرسة والفضاء الرقمي. كما حذر من تحديات الإدمان الرقمي والعزلة الاجتماعية والمحتوى غير الملائم وضعف الحوار بين الآباء والأبناء وتراجع الوقت الذي تقضيه الأسرة مجتمعة.
وفي المقابل شدد على أن التعامل مع التكنولوجيا لا ينبغي أن يقوم على الخوف أو الرفض المطلق؛ لأنها أداة يمكن استخدامها للعلم والدعوة والتنمية كما يمكن إساءة استخدامها.
- دعوة لتجاوز إصدار أحكام جزئية بشأن الوسائل الحديثة.
- بناء "فقه أخلاقي ورقمي للأسرة" يضع ضوابط الاستخدام ويحمي الخصوصية ويراعي أعمار الأبناء ويعزز الرقابة الذاتية.
حماية الهوية تبدأ من التربية والقدوة
كما تناول تحدي صيانة الهوية في زمن الانفتاح العالمي، مؤكدًا ضرورة التمييز بين الانفتاح الواعي والانفتاح غير المنضبط. وقال إن الإسلام لا يدعو إلى الانعزال عن العالم، ولا يعني التفاعل مع الآخر التخلي عن الثوابت والمرجعية.
وأضاف أن حماية الهوية تبدأ من الأسرة عبر التربية الواعية والقدوة الحسنة؛ فتعلم الدين بصورة صحيحة وترسخ احترام الآخرين وحب الوطن والصدق والأمانة والمسؤولية يمنح الأبناء قدرة أعلى على التعامل مع العالم دون فقدان شخصيتهم. وختم بأن "الهوية لا تُحمى بالمنع وحده وإنما تُحمى بالبناء".
تعاون متعدد الأطراف.. ومن فقه الحكم إلى فقه الإصلاح
عرض سندايغايا جانبًا من تجربة رواندا في الربط بين حماية الأسرة وحماية البيئة الاجتماعية المحيطة بها عبر إجراءات حكومية لمواجهة المشروبات الكحولية غير المشروعة أو غير المطابقة للمعايير شملت إغلاق منشآت مخالفة وسحب منتجات غير آمنة واتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين. واعتبر أن التعامل مع القضية لا ينبغي أن يكون صحيًا أو تنظيميًا فقط، بل بالنظر إلى آثارها على العنف والنزاعات الأسرية واستنزاف الموارد المالية للأسرة بما يتفق مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والمال والنسل.
- حماية الأسرة تبدأ بمنع أسباب التفكك والإدمان والعنف والانحراف قبل الطلاق والنزاع.
- مسؤولية الحماية موزعة بين الأسرة في التربية والدولة في حماية المجتمع والمؤسسات الدينية في التوعية والإرشاد والمجتمع في الوقاية والتكافل.
<p وفي ملف الطلاق والنزاعات الزوجية دعا إلى تطوير الخطاب الإفتائي من "فقه الحكم" إلى "فقه الإصلاح". وأوضح أن الشريعة جعلت الطلاق حلًّا عند تعذر استمرار الحياة الزوجية لكنها سبقت ذلك بوسائل للإصلاح تقوم على التدخل المبكر والحوار والتحكيم ومحاولة رأب الصدع، مؤكدًا أن سؤال المفتي عن الطلاق ليس مسألة مجردة بل وراءه أسرة وأطفال ومستقبل نفسي واجتماعي واقتصادي يستوجب تقديم الحكم بالحكمة ومراعاة المآلات.
مسارات استباقية وبرامج لتأهيل المقبلين على الزواج
ودعا إلى إنشاء برامج لتأهيل المقبلين على الزواج وتعليمهم الحقوق والواجبات ومهارات الحوار وإدارة الخلاف وفقه الأسرة، إلى جانب تطوير مراكز الإصلاح الأسري وربطها بالمؤسسات الإفتائية والاستفادة من خبراء علم النفس والاجتماع والقانون. كما اعتبر الأبناء الأكثر تأثرًا عند وقوع النزاعات الأسرية لأنهم يتحملون آثار الصراع دون امتلاك أدوات لفهمه أو التعامل معه، مؤكدا أن حماية الأسرة تعني جوهريًا حماية الطفولة وبناء الشخصية والقيم والضمير وليس توفير المأكل والمسكن والتعليم فقط.
- طرح خمسة مسارات لمقاربة إفتائية استباقية: فقه الواقع الأسري، وفقه المآلات، والوقاية قبل العلاج، والتخصص والتكامل بين العلوم، واستشراف المستقبل.
<p واختتم سندايغايا دعوته بأن المرحلة الراهنة تحتاج مفتٍ "يعرف النص ويعرف الواقع ويفهم الثابت والمتغير ويجمع بين العلم والحكمة وبين قوة الدليل ورحمة التوجيه". وشدد على أن المطلوب ليس رفض كل جديد ولا الاستسلام لكل ما يأتي من الخارج؛ بل وعي يحمي الثوابت واجتهاد يفهم المتغيرات ومؤسسات تستشرف المستقبل عبر فقه إفتائي استباقي يسهم في الوقاية والإصلاح وبناء الوعي.


